مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

35

تفسير مقتنيات الدرر

* ( قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ] ) * وقرئ « ذرّيّتنا » والمراد أنّهم سألوا أزواجا وذرّيّة يكون لهم قرّة أعين في الدين لا في الدنيا فأحبّوا أن يكونوا معهم في التمسّك بطاعة اللَّه فتمّ سرورهم بذلك في الجنّة ، أي هب لنا من جهتهم ما تقرّ به عيوننا من الطاعة والصلاح . * ( [ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ] ) * أي اجعلنا ممّن يقتدي بنا المتّقون وطلبوا العزّ بالتقوى لا بالدنيا ويحتمل أن يكون المعنى واجعل لنا المتّقين إماما فحينئذ اللام وإن ورد على كلمة المتّقين ولكن في المعنى : على كلمة « نا » ولكن الأقرب أنّهم سألوا اللَّه أن يبلغهم في الطاعة والعبادة المبلغ الَّذي يشار إليهم ويقتدى بهم . وفي الآية على هذا المعنى ما يدلّ على أنّ الرياسة في الدين أمر مرغوب فيه وينبغي أن يطلب كما قال الخليل : « واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ » « 1 » . قوله تعالى : * ( [ أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ] ) * أي الموصوفين بهذه الصفات يجزون الغرفة والغرفة في اللغة العلية وكلّ بناء عال فهو غرفة والمراد أنّ لهم الدرجات العالية في الجنّة بسبب صيرهم وذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه ليعمّ كلّ نوع من المشاقّ من ترك الشهوات ومن مشاقّ الطاعات وأذيّة الجهلة من الناس ومشاقّ الجهاد والفقر ورياضة النفس والمكاره في سبيل اللَّه . * ( [ ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلاماً ] ) * والتحيّة الدعاء بالتعمّر والسلام الدعاء بالسلامة وحاصل التحيّة كونهم دائمين على نعيم الجنّة في مقابلة قوله « يلق أثاما » * ( [ خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقاماً ] ) * فبيّن سبحانه أنّ الموصوفين مؤبّدون في هذه النعم أي حسنت الغرفة من حيث الاستقرار والمقام . قوله : * ( [ قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي ] ) * قل يا محمّد : ما يصنع بكم ربّي ؟ أو لا يبالي بكم « 2 » عن أبي عمرو بن العلا وما لا يعبأ به فوجوده وعدمه سواء والمعنى : قل للمشركين : أيّ نفع له سبحانه فيكم ؟ وأيّ ضرر يعود اليه من عدمكم ؟ وأيّ قدرتكم عند اللَّه حتّى يدعوكم إلى الإيمان ؟ لكنّ الواجب في الحكمة دعاؤكم إلى الدين وإرسال الرسول وقد فعل وقيل : معناه : لولا عبادتكم له وإيمانكم به وتوحيدكم إيّاه ، عن الكلبيّ

--> ( 1 ) الشعراء : 84 . ( 2 ) وعليه ما فتكون « ما » نافية .